ابن كثير

21

البداية والنهاية

البغلية ( 1 ) ، وكان الدرهم منها ثمانية دوانق ، والطبرية وكان الدرهم منها أربعة دوانيق ( 2 ) ، واليمني دانق ، فجمع عمر بن الخطاب بين البغلي والطبري ثم أخذ بنصفها فجعل الدرهم الشرعي وهو نصف مثقال وخمس مثقال ، وذكروا أن المثقال لم يغيروا وزنه في جاهلية ولا إسلام ، وفي هذا نظر . والله أعلم . وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وهو مروان الحمار آخر من تولى الخلافة من بني أمية ، ومنه أخذها بنو العباس . وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان نائب المدينة ، وعلى إمرة العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد الله والله أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو عثمان النهدي القضاعي اسمه عبد الرحمن بن مل أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغزا جلولاء والقادسية وتستر ، ونهاوند ، وأذربيجان وغيرهما ، وكان كثير العبادة زاهدا عالما يصوم النهار ويقوم الليل ، توفي وعمره مائة وثلاثين سنة بالكوفة . صلة بن أشيم العدوي من كبار التابعين من أهل البصرة ، وكان ذا فضل وورع وعبادة وزهد ، كنيته أبو الصهباء كان يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوا ، وله مناقب كثيرة جدا ، منها أنه كان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون فيقول : أخبروني عن قوم أرادوا سفرا فحادوا في النهار عن الطريق وناموا الليل فمتى يقطعون سفرهم ؟ فقال لهم يوما هذه المقالة ، فقال شاب منهم : والله يا قوم إنه ما يعني بهذا غيرنا ، نحن بالنهار نلهو ، وبالليل ننام . ثم تبع صلة فلم يزل يتعبد معه حتى مات . ومر عليه فتى يجر ثوبه فهم أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم فقال : دعوني أكفكم أمره ، ثم دعاه فقال : يا بن أخي لي إليك حاجة ، قال : وما حاجتك ؟ قال أن ترفع إزارك ، قال : نعم ، ونعمت عين ، فرفع إزاره ، فقال صلة : هذا أمثل مما أردتم لو شتمتموه لشتمكم . ومنها ما حكاه جعفر بن زيد قال : خرجنا في غزاة وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله الليلة ، فدخل غيضة ودخلت في أثره فقام يصلي وجاء الأسد حتى دنا منه وصعدت أنا في شجرة ، قال فتراه التفت أو عده جروا حتى

--> ( 1 ) البغلية : يبدو أنها دراهم أعجمية عرفت من العصر الجاهلي كانت ترد على أهل مكة من الفرس ( فتوح البلدان ص 452 ومقدمة ابن خلدون ص 263 ) . والطبرية : نسبة إلى مدينة طبرية ، فلعلها عملها رومية كانت ترد أيام الجاهلية أيضا . . . ( 2 ) الدوانيق : جمع دانق بفتح النون ، وهو سدس الدرهم والكلمة فارسية وقد استعمله العرب في الجاهلية للدلالة على وزن أو نقد . أما المثقال فهو نقد للدلالة على درهم أو دينار أو وزن . والدينار أصله لاتيني Denarius استخدم في عملة روما فنقل إلى العرب بتحريف بسيط . أما الدرهم لفظة فارسية معربة ( انظر النقود العربية انستاس ماري كرملي ص 23 - 25 : ط القاهرة ) .